مرصد الاستعراض الدوري الشامل

Menu

مذكرة ائتلاف الشاطئ اللبناني الى المجلس الدستوري بشأن الطعن المقدم ضد القانون رقم 45

جانب المجلس الدستوري المحترم
مذكرة بشأن الطعن المقدم ضد القانون رقم 45

الجهة المستدعية: المفكرة القانونية، بصفتها الذاتية وبالنيابة عن ائتلاف الشاطئ اللبناني

القانون المطعون عليه: قانون رقم 45 الصادر بتاريخ 21 آب 2017 بشأن تعديل واستحداث بعض المواد القانونية الضريبية لغايات تمويل رفع الحد الأدنى للرواتب والأجور وإعطاء زيادة غلاء معيشة للموظفين والمتعاقدين والأجراء في الإدارات العامة وفي الجامعة اللبنانية والبلديات واتحادات البلديات والمؤسسات العامة غير الخاضعة لقانون العمل وتحويل رواتب الملاك الإداري العام وأفراد الهيئة التعليمية في وزارة التربية والتعليم العالي والسلاك العسكرية.

توطئة:
بتاريخ 21 آب 2017، صدر القانون موضوع هذه المذكرة. وقد تضمن أحكاما عدة لتأمين موارد مالية إضافية للدولة، على نحو يمكنها من تصحيح سلسلة الرتب والرواتب. وقد تضمن القانون في مادته الحادية عشرة 18 بندا ينظم وضعية المخالفات البحرية وبخاصة المخالفات الحاصلة قبل 1/1/1994. والتدقيق في هذه المادة إنما يظهر أنها فتحت بابا واسعا أمام المتمولين لتشريع (تسوية) هذه المخالفات وضمان استمرار مفاعيلها لفترات طويلة، وعلى نحو ينتقص من حقوق المواطنين كافة بالتمتع بالبحر والبيئة، كل ذلك لقاء مبالغ زهيدة.
ورغم أن القانون نص على أنه يتم بصورة استثنائية معالجة التعديات القائمة على الأملاك العمومية البحرية، فإن حجم المخالفات المرتكبة خلال الحرب ومن بعدها والمنتشرة على طول الشواطئ اللبنانية وشروط المعالجة المفروضة إنما تؤدي عمليا إلى تعميم هذا الاستثناء وتحويل حرمان المواطن من الشاطئ والملك العام إلى قاعدة عامة، من دون أي مبرر. وقد تم كل ذلك من دون نقاش عام ومن دون اتباع أي من آليات حسن التعامل مع ماضي الحرب منعا لتكرار مآسيها.
وبتاريخ 30/8/2017، تقدم عشرة نواب بطعن أمام المجلس الدستوري بالقانون رقم 45. وقد تطرّق الطعن إلى مسائل إجرائية كالتصويت برفع الأيادي وركّز على مادة وحيدة من القانون هي المادة 17 المتصلة بالضريبة على الفوائد والعائدات وبازدواجية الضريبة (وهي مادة تمسّ عمليا بمصالح المصارف فقط). ورغم أن الطعن خلا من أي إشارة إلى المواد المتّصلة بتسوية المخالفات البحرية، وهي المواد الأكثر خطورة والتي تشكل مخالفات بديهية للدستور، فإنه يضع على مجلسكم الكريم مسؤولية التدقيق ليس فقط في مدى دستورية المواد التي طعن فيها، بل في مدى دستورية جميع أحكام القانون، وبخاصة المادة 11 منه.
انطلاقا من ذلك، جئنا نستغلّ الفرصة المتاحة أمامنا بفعل الطعن المقدم من النواب العشرة لمؤازرة مجلسكم الكريم في تحريه عن المخالفات الدستورية الواردة في القانون المطعون فيه ولفت نظره إلى مخاطر تسوية الأملاك البحرية على النحو الذي نصّ عليه. وتشكل هذه المذكرة الثانية من نوعها، بعد المذكرة المقدمة بمناسبة الطعن على صدور قانون إعادة الجنسية في نهاية 2015، وهي تهدف إلى إرساء ممارسة مشاركة المنظمات الحقوقية في أعمال المجلس الدستوري.

أولا: في وجوب قبول المذكرة شكلا:
من المعلوم أن الدستور (مادة 19) يحصر حق الطعن على القوانين بالسلطات السياسية (رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء و10 نواب) ورؤساء الطوائف المعترف بها فيما يتصل بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني. وبالتالي، يحرم الدستور المواطنين من الطعن في دستورية القوانين سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.
وعليه، ثمة سؤالان يطرحان على مجلسكم الكريم على ضوء المذكرة الحاضرة، هما الآتيان:
هل لمجلسكم الكريم صلاحية النظر في دستورية مواد وردت في القانون المطعون عليه، حتى ولو لم تشملها المراجعة المقدمة من النواب؟ بمعنى آخر، هل لمجلسكم التدقيق في مدى دستورية المادة 11 من القانون المطعون فيه المتصلة بمعالجة الأملاك البحرية، علما أن المراجعة لم تشر إليها؟ وفي حال الإيجاب، هل تشكل هذه الصلاحية إمكانية معطاة للمجلس أم مسؤولية على عاتقه؟
هل لمجلسكم الكريم قبول المذكرة الحاضرة الصادرة عن منظمات حقوقية لبنانية علما أنها ليست طرفا رسميا في المراجعة وأنه ليس للمنظمات أو المواطنين اللبنانيين أي حق في تقديم مراجعة دستورية؟ وفي حال الإيجاب، هل تشكل هذه الصلاحية إمكانية معطاة للمجلس أم مسؤولية على عاتقه؟
وهذا ما سنسعى إلى مناقشته في هذا المضمار.

1- في وجوب التأكيد على صلاحية مجلسكم في النظر في دستورية أحكام القانون كافة:
من الثابت في الاجتهاد الدستوري أن للمجلس الدستوري صلاحية شاملة في النظر في دستورية القوانين المطعون فيها أمامه، بمعنى أن له حق فحص دستورية أي بند ورد في القانون المطعون فيه، بمعزل عما إذا كان الطعن المقدم اليه قد تضمن إشارة إليها أم لا،
وهذا ما أكده المجلس الدستوري اللبناني في عدد من قراراته:

القرار رقم 2، 24-11-1999: “بما أنه إذا كان لا يعود للمجلس الدستوري، اذن حق اجراء الرقابة عفواً أو من تلقاء ذاته، على مطابقة القوانين التي يسنها مجلس النواب، على أحكام الدستور، فان هذه الصلاحية تأخذ مداها الكامل، وتطلق يده في اجراء هذه الرقابة على القانون برمته بمجرد تقديم المراجعة، وفقاً للأصول وتسجيلها في قلم المجلس، دون أن يكون مقيداً بمطالب مستدعي الطعن، وهذا ما جرى عليه اجتهاد المجلس. وبما أنه لا يسع المجلس اثناء نظره في مدى مطابقة قانون ما على الدستور، أن يتجاهل نصاً مخالفاً للدستور، ولو لم يكن محل طعن من قبل المستدعي، دون أن يضعه موضوع رقابته وابطاله إذا اقتضى الامر، في حال اعتباره مخالفاً للدستور.”

والقرار رقم 4، 29-9-2001: “وبما انه يقتضي، استكمالاً لاعمال الرقابة، وفي ضوء ما أوردته مراجعة الطعن بهذا الخصوص، وتجاوزاً لها ايضاً على ما سار عليه اجتهاد هذا المجلس من انه يضع يده على القانون المطعون فيه بأكمله ولا يقف عند حدود مراجعة الطعن به، مما يعني انه يضع يده على كامل جوانب الاصول الدستورية للتشريع التي احاطت بإقرار القانون حتى لو لم تشر اليها مراجعة الطعن صراحة او عرضاً”.
وميراي شكرالله نجم وبول مرقص، المجلس الدستوري اللبناني في القانون والاجتهاد، مشروع دعم الانتخابات النيابية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالتعاون مع المجلس الدستوري، 2014، ص. 106:
“ان المجلس الدستوري اللبناني سار على نهج المجلس الدستوري الفرنسي، أي النهج التوسعي للاختصاصات في الحالات التي يصار فيها إلى الطعن بدستورية بعض أحكام القانون المطعون فيه، فيمارس المجلس الدستوري اختصاصه الرقابيّ على كامل نصوص القانون، مرتكزاً في خطوة أولى على قاعدة الترابط فيما بينها وفي خطوة ثانية على قاعدة أنه لا يجوز لأي قانون أن يكون مخالفاً للدستور.
يتبين بالفعل أن الاختصاص الذي مارسه المجلسان الدستوريان اللبناني والفرنسي توسع بحيث مارس المجلسان الرقابة على كامل مواد القانون، فقضيا بأكثر مما طلبه أصحاب المراجعة كما أجازا لنفسهما استلهام أسباب وحجج لم يثرها الطاعنون”.
وهذا أيضا ما نقرأه في اجتهاد المجلس الدستوري الفرنسي الذي استقر على اعتبار أنه يتمتّع بصلاحية اثارة دستورية أي مادة من مواد القانون التي تمت المراجعة بشأنه، حتى تلك التي لم تشملها المراجعة،
فعلى سبيل المثال جاء في قراره رقم 307-92 أنه “إذا كان طلب رئيس مجلس الوزراء من المجلس الدستوري يتضمن اصدار قرار حول تطابق المادة 8 من القانون المعدل لقرار رقم 2658-45 مع احكام الدستور، فذلك لا يؤثر على امكانية المجلس الدستوري بممارسة رقابته على باقي أحكام القانون وباستنتاج النتائج القانونية”:
«Considérant que si au termes de sa lettre du 25/1/1992, le premier ministre a demandé au conseil constitutionnel de se prononcer sur la conformité à la constitution de l’art 8 de la loi portant modification de l’ordonnance n.45-2658 du 2/11/1945 modifiée, cette précision n’affecte pas la possibilité pour le conseil constitutionnel de faire porter son contrôle sur les autres dispositions de la loi et d’en tirer toute conséquence de droit »

كما جاء في القرار رقم 386-96 تاريخ 30/12/1996 “أن مفعول الطلب هو التأكد، قبل اختتام الاجراءات التشريعية، من دستورية جميع أحكام القانون حتى تلك التي لم تكن موضوع نقد من قبل مقدمي المراجعة”
« L’effet de cette saisine est de mettre en œuvre, avant la clôture de la procédure législative, la vérification par le conseil constitutionnel de toutes les dispositions de la loi déférée y compris de celles qui n’ont fait l’objet d’aucune critique de la part des auteurs de la saisine » (Loi de finances rectificative pour 1996(

2- في وجوب التأكيد على وجوب قبول المذكرة المرفوعة إليه بشأن الطعون العالقة أمامه:
رغم أن حرمان المواطنين من الطعن في دستورية القوانين يشكل تقييدا لحقهم بالتقاضي وانتقاصا من حقهم في مساءلة الأعمال الصادرة عن ممثليهم في المجلس النيابي، فإننا لا نجادل في هذا الأمر لعلمنا بأن تغيير هذا الأمر يتطلب تغييرا تشريعيا وفق التوجه الذي اعتمده رئيس مجلسكم الكريم في المقترحات المقدمة منه في سنة 2016. ما نناقشه هنا هو فيما إذا كان بإمكان المواطنين والمنظمات الحقوقية تقديم مذكرات أو عرائض توضيحية بخصوص المراجعات العالقة أمام مجلسكم الكريم. وفي هذا المضمار، يقتضي إبداء بعض الملاحظات والتي تقودنا إلى الرد إيجابا على السؤال الذي نطرحه. وهذه الملاحظات هي الآتية:
أولا، أنه لا يوجد أي نص قانوني يحرم المواطنين والمنظمات الحقوقية من حق تقديم مذكرات أو عرائض من هذا النوع. وعليه، وأمام الصمت التشريعي، يكون مجلسكم مدعوا للاجتهاد والتأويل على ضوء المبادئ والتوجهات الدستورية والقانونية،
ثانيا، أن هذه المبادئ كلها تتجه لتوسيع حق التقاضي وتعزيز مشاركة المواطنين في الشأن العام وفي مساءلة أعمال الحائزين على وكالة عامة منهم. وخير دليل على ذلك هو مقترح القانون الذي تقدم به رئيس مجلسكم لإعطاء المواطنين حق الدفع بعدم الدستورية. كما نسجل في الاتجاه نفسه:
المادة 8 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تضمن حق الفرد باللجوء إلى المحاكم الوطنية لإنصافه من أية أعمال تنتهك الحقوق الأساسية التي يمنحها إياه الدستور أو القانون،
توجه العديد من المجالس الدستورية والمحاكم الدولية إلى قبول فكرة “صديق المحكمة” amicus curiae بالنظر إلى ما تسمح به من إشراك في القضايا الكبرى وتطوير المنظومة الحقوقية،
أن المجلس الدستوري في فرنسا قد عمد رغم صمت النصوص المنشئة له ومنذ أوائل الثمانينات إلى قبول المذكرات المقدمة من منظمات حقوقية ونقابات مهنية في اتجاه أطلق عليه الفقهاء الفرنسيون “سياسة الأبواب الضيقة”، بمعنى أن للمواطنين والهيئات المدنية تقديم مذكرات حول دستورية أو عدم دستورية القوانين المطعون فيها، وإن منع عليهم الطعن في دستورية القانون مباشرة.

يراجع عن هذا الأمر:
جنى بكار وميريم مهنّا، سياسة “الأبواب المغلقة” نقيضاً لسياسة فتح الأبواب الفرنسية، المفكرة القانونية، العدد 35، كانون الثاني 2016 (من أجل الإطلاع على المراجع، يرجى العودة إلى المصدر):
“سرعان ما تم قبول هذه الممارسة في أوائل الثمانينات، إذ “أنها تُخرج المجلس من إنزوائه وتفتحه على المجتمع المدني”، بالتحديد مع ورود العديد من المذكرات الشخصية أو الجماعية المناهضة لقانون “الأمن والحرية” لعام 1981 والمرسلة إلى المجلس الدستوري، وكذلك مع تقديم العديد من الإستشارات لأساتذة في القانون أو المقالات الفقهية بشأن قانون التأميم عامي 1981-1982. وبحسب العضو السابق في المجلس الدستوري Georges Vedel (1980-1987)، “ان منافع أو فضيلة النظام المعمول به تظهر في “الباب الضيق” الذي يفتحه أمام المواطنين للتحرك بشكل فردي أو غالباً جماعياً. (…) فحرية المراسلة المعترف بها في الاجتهاد تسمح لكل شخص أو لكل مجموعة من تبليغ المجلس بعدم دستورية أحكام لم تتمّ إثارتها في الطعن، كما والمحاججة في هذا الاتجاه”. وبحسب العضوالحالي في المجلس الدستوري Guy Canivet، تقضي هذه الممارسة بتسلم المجلس وقراءته رسائل مرسلة اليه من أي شخص في سياق طعن دستوري. (…) ويمكن لهؤلاء أن يكونوا جمعيات أو شركات كبيرة تقوم بإبلاغ رأيها حول النص الخاضع للدرس إما للدفاع عن دستوريته أو للمطالبة بإعلان عدم دستوريته؟”….
بحسب العضو السابق في المجلس الدستوري Georges Vedel”، قد يتساءل البعض عن عدم إستبعاد المجلس لتلك المذكرات من المناقشات في المبدأ إذ أنّه لم يجزْها أيّ نص قانوني. إلا أن رفض هذه المذكرات كان ليكون خطأً ولغطاً. خطأً لأنه كان ليعني التخلّي عن إمكانية الإجتهاد وتأمين الظروف الملائمة لإجراء تحقيق وجاهي لم يلحظه القانون دون أن يمنعه. وكان ليكون كذلك لغطاً قانونياً، لأنه على المجلس الدستوري أن يدرس دستورية القانون بموضوعية (…)، إذ أن عليه دائماً مراقبة القانون بكامله. من هذا المنطلق، لا يكمن دوره في التحكيم بين فريقين، وإنما أيضاً في إيضاح الأسباب القانونية التي ستوجه قراره (…). بمعنى آخر، إن موجب الوصول إلى المعلومات هو الأساس وان الوجاهية ليست سوى مبدأ ملازم لذلك”.
وإنطلاقاً من كون المراقبة الدستورية تهدف إلى تحقيق مصلحة عامة، رأى بعض الفقهاء الفرنسيين “أن الكيانات الإجتماعية التي ترمي إلى حماية مصالح جماعية ومتشعبة، والتي تتضمن بالطبع الجمعيات التمثيلية لمصالح فئة ما (مهنية) أو لحقوق أقلّية ما )…(، وكذلك الجمعيات التي تروّج لقضية ما وتدافع عن حقوق الإنسان (…) فلكل هؤلاء الأشخاص المساهمة في أهداف الرقابة الدستورية”. ويضيف هؤلاء في الإتجاه نفسه أن “الحكم بدستورية القانون، بالنظر إلى موضوعه ومفاعيله وأهدافه، يتطلّب أيضاً وخصوصاً، مشاركة أشخاص يمثّلون (…) المصالح العامة الأخرى التي يحملها المتدخل بطريقة ما”. وممكن التأكيد ختاماً مع Guy Canivet، “أن مذكرات ال amicus curiaeهي طبيعية في النقاش أمام محكمة دستورية لأن المراجعة أمامها تتعلق بمناقشة موضوعية حول دستوريّة قانون معين. فمن الطبيعي أن تعرض الفئات المعنية أو الأشخاص ذات المصلحة وجهات نظرهم في المسائل المطروحة”. (…)

وقد برر الفقهاء الفرنسيون ضرورة قبول هذا النوع من المذكرات بأن من شأنها الإسهام في إغناء القرار الدستوري، وتعزيز مشروعية القرار.

عن هذه المبررات، يراجع لطفا: مهنا وبكار، مرجوع مذكور أعلاه:
“إن مشاركة الهيئات المدافعة عن المصالح العامة في المراجعات الدستورية تعطي شرعية وقبولاً أكبر لقرار المجلس من قبل المجتمع، خاصة في الأنظمة الديموقراطية. فيلعب المجلس الدستوري دوراً رائداً في تفسير الدستور، وصون حقوق المواطنين جميعاً بعيداً عن مصالح الأكثرية الحصرية”.
في الواقع، “إن وصول الجمعيات والمجموعات إلى القضاء الدستوري يلبي أيضاً حاجة في الديمقراطية التعددية، بإعطاء الصوت لمختلف الحقوق والمصالح التي تشكل المجتمع، في المكان المكرّس لحماية الدستور (…). إن هذه المكونات الاجتماعية تشكل بالفعل الوسيط للمواطنين للمشاركة في الحياة العامة. فمن خلال تلك المكونات، يحصل المواطنون على المعلومة ويعلمون الرأي العام، ويروّجون لقضية ما أو لحقوق جديدة، ويدافعون عن حقوقهم الشخصية بوجه التعديات المحتملة من السلطة العامة”.
ومشاركة الجمعيات هذه تعيد المجلس الدستوري إلى دوره التصحيحي للتوازن في الديمقراطيات التمثيلية، مما يعزّز قبولاً أوسعاً لخيارات المشرّع. بالفعل، “إن حماية الاقليات، بما فيها غير الممثلة في السلطة السياسية، هو أحد الأهداف الأساسية للعدالة الدستورية”، و”عند تفسير الدستور، على المحاكم الدستورية أن تحرص على عدم سحق مصالح وحقوق الاقليات ذات القيمة الدستورية، بفعل خيارات سياسية تم تبنيها شرعياً من قبل الأكثرية.” وعلى المجلس الدستوري، بهدف لعب هذا الدور، أن يعير إنتباهه إلى الرأي العام”.

لذلك، نطلب منكم اتخاذ قرار في هذا الاتجاه على نحو يصب في تعزيز عمل المجلس وتطوير المنظومة الدستورية في لبنان.

ثانيا: في وجوب إبطال المادة 11 (باستثناء البندين 15 و16 منها) لعدم دستوريتها:
عند معاينة هذه المادة، يمكننا أن نقسم أسباب بطلان المادة 11 ضمن أربعة أقسام، ثلاثة تتمثل منها في وظائفها المعلنة أو الفعلية، قبلما ننتقل إلى العنوان الرابع الذي يتصل بقياس المصلحة والضرر الناجمين عن هذا القانون وفق مبدأ التناسب. وسنمهد لهذه المذكرة من خلال وصف مضمون الأقسام الأربعة المشار إليها.

عن مختصر أسباب البطلان المتصلة بالوظيفة الأولى المتمثلة بتأمين تمويل لسلسلة الرتب والرواتب:
الوظيفة الأولى وهي الوظيفة المعلنة، وقوامها تأمين تمويل لسلسلة الرتب والرواتب من خلال فرض غرامات وبدلات (رسوم) على الاعتداءات الحاصلة على الأملاك البحرية والتي ما تزال موضع استثمار منذ عقود بحكم قوة الأمر الواقع من دون تسديد أي غرامات أو بدلات للدولة. إلا أن التدقيق في كيفية احتساب الغرامات عن الفترة الماضية والبدلات عن الفترة المستقبلية للمخالفات التي يسمح القانون المطعون فيه بمعالجتها، يظهر أنه يؤدي إلى إلزام هؤلاء المخالفين بتسديد مبالغ زهيدة لا تتماشى مع شروط التعويض العادل أو مع مبدأ المساواة بين المواطنين،

عن مختصر أسباب البطلان المتصلة بالوظيفة الثانية المتمثلة بمنح عفو كامل أو جزئي عن المسؤولية الجزائية الناجمة عن الإعتداءات الحاصلة على الأملاك العامة البحرية قبل 1/1/1994:
الوظيفة الثانية لهذا القانون (وهي غير معلنة) تتمثل في منح عفو عام مقنّع كامل أو جزئي للمخالفات المرتكبة قبل 1/1/1994، وهو “عفو أبيض” blank amnesty يرشح عن تمييز فاضح لصالح فئة من المواطنين ضد فئات أخرى من دون مبرر ويناقض مبادئ الحد الأدنى من العدالة الانتقالية. وبذلك يكون لبنان ضيّع مناسبة جديدة لإرساء أسس نموذجية للتعامل مع الماضي على نحو يضمن عدم تكراره.

عن مختصر أسباب البطلان المتصلة بالوظيفة الثالثة المتمثلة ب “معالجة” مخالفات الأملاك العامة البحرية قبل 1/1/1994 مستقبلا بموجب مراسيم تشرّع إشغالها:
بدورها، تتم معالجة مخالفات الأملاك العامة على نحو يتعارض مع عدد من مبادئ الدستور. فعدا عن أن القانون يمنح الجهات المخالفة إمكانية إشغال الأملاك العامة البحرية عند توفر عدد من الشروط لقاء بدلات غير عادلة، فإنه يخضع الإشغال تبعا للمعالجة لنظام دائم تمييزي بالنسبة إلى سائر شاغلي الأملاك العامة، ويفتح الباب أمام مراسيم إستغلال للملك العام طويلة الأمد أو غير محددة المدة خلافا للمادة 89 من الدستور. والأخطر من كل ذلك أنه يفتح الباب وللمرة الأولى بتاريخ لبنان لإنشاء مساحات خارج القانون بموجب قانون zones de non droit وذلك من خلال تشريع إبقاء واستغلال المنشآت الدائمة المبنية خلافا للقانون على الأملاك العامة البحرية.

عن مختصر أسباب البطلان المتصلة بانتفاء مبدأ التناسب بين المصلحة المتأتية عن القانون والضرر الجسيم الناتج عنه على صعيد مفهوم الملكية العامة والحق بالتمتع بالبحر:
في محصلة ما تنقدم، سنعمد إلى الموازنة بين مختلف المصالح المدعى تحقيقها بموجب القانون والأضرار الناجمة عنه، لنتوصل إلى إثبات مخالفة دستورية أخرى متمثلة بمخالفة مبدأي الضرورة والتناسب.

أخيرا، وقبل المضي في عرض المخالفات، لا بد من أن نسجل بالمقابل ومن باب الأمانة تضمين القانون بندين هامين على صعيد النظام العام المتصل بإشغال الأملاك العامة البحرية، وهما البندان خامس عشر وسادس عشر من المادة 11 وهما يضمنان الولوج الحرّ إلى البحر تحت طائلة المعاقبة الجزائية ويلزمان الحكومة بتأمين تواصل الشاطئ ضمن الأملاك العامة1. ومن النافل القول أن هذين البندين وضعا أحكاما عامة لجميع حالات إشغال الأملاك العامة المرخصة من دون تمييز، وهي أحكام متوافقة مع أحكام الدستور وهي قابلة للتنفيذ بمعزل عن سائر الأحكام الواردة في القانون المطعون فيه. ويتعين تاليا على مجلسكم الكريم المحافظة عليها كونها تشكل مدخلا أساسيا لضمان حماية الشاطئ وحق المواطنين بالتمتع به مستقبلا.

1- أسباب البطلان المتصلة بتأمين تمويل لسلسلة الرتب والرواتب:
في تحديد غرامات وبدلات لا تتناسب مع قيمة المنافع المنهوبة أو الممنوحة:
بمراجعة أحكام المادة 11- ثامنا، يتبين أن القانون وضع الأصول الآتية لاحتساب الغرامات ورسوم الإشغال بعد معالجة المخالفات:
أنه لاحتساب الغرامات عن الفترة السابقة، يتم اعتماد النسب وقيم البدلات السنوية المحددة بالمرسوم 12841 تاريخ 25/4/1963 المعدل بالمرسوم رقم 2522 تاريخ 15/7/1992، وذلك عن الفترة الممتدة من 1/1/1994 حتى 31/12/2015، على أن يسري المرسوم رقم 2522 تاريخ 15/7/1992 وتعديلاته بالنسبة للفترة اللاحقة لتاريخ 31/12/2015، وفقا للمعالجة الآتية:
الغرامة المتوجبة = (البدل السنوي للمساحة المشغولة * نسب المضاعفة (المحددة وفق الحالات في الجداول المرفقة بالقانون المطعون فيه)* عدد السنوات).
أنه لاحتساب الرسوم المستحقة وفقا لبدلات الإشغال وفقا لهذه المادة، وذلك عن كامل المساحات المشغولة وفق نسب المضاعفة على الشطور بحسب الجدول رقم 3 المرفق.

وعليه، نلحظ أمورا عدة:
الأول، أن الغرامات والرسوم (في حال المعالجة) تم احتسابها على أساس تقديرات حصلت في 1992 بمعنى أنها لا تأخذ يعين الاعتبار ارتفاع قيمة بدل العقارات وإشغالها الحاصلة منذ 1992، أي منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة. ويكفي للدلالة الإشارة إلى أن سعر المتر المربع قدر في مسابح المنطقة العاشرة من بيروت في 1992 بحوالي 625000 أي ما يقل عن 1/20 بأقل تقدير من سعره الحالي، علما أن العمل بتقدير 1992 يتناقض مع مبادئ المسؤولية، حيث يقدّر الضّرر الناشئ عن احتلال ملك الغير بتاريخ الحكم القاضي بالتعويض وليس بتاريخ حصوله،
الثاني، أن الغرامات المحتسبة حتى 2015 تخضع لنسبة البدل المحددة في مرسوم 1963 وتعديلاته الذي هو 0.75% من قيمة المساحة المشغولة بالنسبة إلى المسابح. وتبلغ هذه النسبة ما يعادل نسبة 1/5,33، من النسبة المحددة لاحتساب بدلات الإيجار المبنية كما وردت في قانون الإيجار الجديد وهي 4%. هذا مع العلم أن مرسوم 1963 لا يلحظ أي بدل للمنشآت القائمة على الأملاك العامة، مما يعفي عمليا المخالف من تسديد أي بدل عن استثمار الانشاءات المقامة على عقاره خلال عقود.
الثالث، أن الغرامات المحتسبة ابتداء من 1/1/2016 والرسوم المستحقة تبعا لمعالجة المخالفات تتم على أساس جميع أحكام المرسوم 2522/1992 التي تخضع المنشآت القائمة على العقار لبدل إشغال يعادل ثلاثة أضعاف بدل إشغال مساحة العقار من دون بناء. وهذا ما نقرؤه حرفيا في مرسوم 1992 حيث جاء: “يزاد البدل المحدد … بنسبة 3 مرات عن كل متر مربع عن الأبنية المقامة على الأملاك العمومية البحرية وتحسب ضمن مساحة البناء مساحة مختلف الطوابق والأقسام بما فيها الطوابق السفلية وطابغ الأعمدة والشرفات”. بمعنى أن المرسوم يؤدي إلى فرض رسم قدره 2.25% عن الأمتار المربعة للأبنية، أي ما يقارب نصف النسبة المحددة لبدل إجارة العقارات المبنية في قانون الإيجارات والذي حدد ب 4%، علما أن الغرامات تخضع مبدئيا لمضاعفة (1.75) في أغلب الحالات وأن رسم المعالجة يخضع لمضاعفة (1) وفق الجداول المرفقة بالمادة.

وعليه، نصل إلى النتيجة الآتية التي نبينها أدناه على سبيل الاسترشاد ليس أكثر بهدف إعطاء فكرة أولية عن حجم التفاوت بين المفروض قانونا بشكل إجمالي والبدل العادل المستحق للدولة عملا بمبادئ المسؤولية العامة. فنحن قد اعتمنا لتسهيل المعادلة مضاعفة (1.75) بالنسبة إلى الغرامات وفق الجدول رقم 1، منبهين إلى تعدد الحالات والجداول والمضاعفات المطبقة:
البدل المعتمد لاحتساب الغرامات عن الفترة الممتدة من 1/1/1994 حتى 31/12/2015 هو أقل بمئة وستة مرات (1/20 * 1/5,66) على أقل تقدير من قيمة البدل العادل. وفي حال تطبيق مضاعفة (1.75)، تقارب الغرامة 1/60 من البدل العادل، وتكون أقل من 1/75 مرة من البدل العادل في حال سدد المخالف الغرامة عدا ونقدا مستفيدا بذلك من تخفيض قدره 20% من الغرامة،
البدل المعتمد لاحتساب الغرامات عن الفترة التي تبدأ بتاريخ 1/1/2016 هو بأقل تقدير 1/35 (1/20 * 2.25/4) من البدل العادل. وفي حال تطبيق مضاعفة (1.75)، تصبح الغرامة في هذه الحالة أقرب إلى 1/20 من البدل العادل، وأقرب إلى 1/25 من البدل العادل في حال سدد المخالف الغرامة عدا ونقدا مستفيدا بذلك من تخفيض قدره 20% من الغرامة،
الرسم المعتمد بعد الإشغال وهو يعادل البدل المحتسب عملا بنسب وتقديرات مرسوم 1992 ومن دون أي مضاعفة. ويشكل الرسم تاليا ما نسبته 1/35 من البدل العادل.

وعليه، تكون المادة 11 معرضة من هذه الجهة للإبطال سندا:
للمادة 7 التي تفرض المساواة بين المواطنين في حقوقهم وموجباتهم، وبخاصة أمام الأعباء العامة. فلا شيء يبرر أن يستثمر قسم من اللبنانيين الأملاك العامة من دون أن يسددوا بدلا عادلا عنها، على نحو يخل بالمساواة فيا بينهم وبين الآخرين،
والمادة 15 من الدستور اللبناني التي تنص على أن “الملكية في حمى القانون فلا يجوز أن ينزع عن أحد ملكه إلا لأسباب المنفعة العامة في الأحوال المنصوص عليها في القانون وبعد تعويضه منه تعويضا عادلا”.

ويذكر أن مجلسكم الكريم، كان ضمن قراره رقم 4/2000 تاريخ 22/6/2000 العبارة الآتية: “إن حق الملكية المصان بموجب الدستور لا يقتصر فقط على الملكية الفردية، بل ينسحب أيضاً على الملكية الجماعية، أي الملكية العامة، التي يجب أن تحظى بالحماية نفسها، وضمن الحدود ذاتها، المقررة لحق الملكية الفردية”. وعليه، فإن وضع يد على الملكية العامة أو إشغالها سابقا او مستقبلا إنما يستوجب تعويضا عادلا، لا تتوفر شروطه على ضوء المادة 11 من هذا القانون.

2- أسباب البطلان المتصلة بمنح عفو كامل أو جزئي عن المسؤولية الجزائية الناجمة عن الإعتداءات الحاصلة على الأملاك العامة البحرية قبل 1/1/1994: في كون العفو العام الحاصل ضمنا غير دستوري لكونه عفوا على بياض وتمييزيا وغير مبرر بمصلحة عامة:

من البيّن عند تحليل القانون أنه يؤدي ضمنا إلى عفو مزدوج:
العفو العام عن المعتدين على الأملاك البحرية عن جميع مخالفاتهم المرتكبة قبل 1/1/1994 بشكل كامل، بدليل أن الاعتداء على الأملاك العامة البحرية يصبح في هذه الحالة معفيا من تسديد أي غرامة، مهما كانت المخالفة خطيرة، وحتى ولو مست بالبيئة أو بالآثار الخ…
العفو العام الجزئي عن التمادي في الاعتداء بعد 1/1/1994. وهو ينتج عن تنزيل الغرامة المحددة بموجب قانون الموازنة العامة 280/1993 من خمس مرات بدل الإشغال إلى مستوى يصل إلى 1.75 مرة لهذا البدل أو حتى 1.4 له يف حال تسديد الغرامة عدا ونقدا.

والواقع أن غالبية هذه المخالفات (وهي جرائم جزائية) قد حصلت أثناء الحرب، في ظل تلاشي الدولة والإستقواء عليها والملك العام. وكان ينتظر عند انتهاء الحرب إعادة الحال إلى ما كانت عليه، تماما كما تمت إعادة البيوت المحتلة إلى مالكيها (مهجري الحرب). ورغم أن الدولة أكدت إرادتها في استعادة هذه الأملاك عند انتهاء الحرب بدليل تضمين قانون الموازنة العامة لسنة 1990 مادة صريحة بإبطال أي إجراء إداري يتصل بإشغال الأملاك العامة البحرية خلافا للقواعد والأصول المقتضاة قانونا، فإنها لم تباشر الخطوات التنفيذية لذلك بانتظار أن يقوى عودها وأن تستعيد قدرتها على فرض احترام حكم القانون (وهذا أمر مفهوم في فترات ما بعد الحروب). وفيما صدر قانون عفو عام، فإنه اقتصر على “الجرائم السياسية” التي تخرج هذه المخالفات عنها، كونها ترتبط بالطمع بأموال الدولة واغتنامها من دون أن يكون لها أيّ بعد سياسي.
ورغم ذلك، ورغم ما كسبته الدولة بعد ذلك من قوة، فإنها لم تخصص جهدا لازما لاسترداد الأملاك البحرية، إنما اكتفت بتقديم شكاوى جزائية ضد المخالفين ما يزال غالبها عالقا أمام النيابة العامة المالية. والمهم تاليا أن يقرأ مجلسكم الكريم المادة 11 من القانون المطعون فيه على ضوء انقضاء أكثر من 27 سنة من انتهاء الحرب ومن بدء عملية إعادة بناء الدولة، للإحاطة بأبعاده كافة وتحديدا لفهم الإنزلاقة الهائلة الحاصلة بموجبه. ففيما يفهم أن تكون الدولة أرجأت التعاطي مع هذا الملف إلى حين يقوى عودها، فإنه من المفجع أن ينتهي هذا الملف إلى هذا النوع من المعالجة بعد انقضاء كل هذا الوقت من انتهاء الحرب.
وانطلاقا من ذلك، يقتضي القول بأن العفو المذكور هو باطل للأسباب الآتية:

العفو على بياض وغير مبرر
يتبين من القانون أن العفو الممنوح للمعتدين على الملك العام هو عفو “على بياض”، بمعنى أنه عفو غير مشروط، على نحو يخلّ بمبدأ المساواة أمام القانون وبحقوق العامة الذين تضرروا طوال العقود الماضية من وضع اليد على أملاكهم العامة.
فلا يضع القانون على عاتق المستفيدين من هذا العفو أي موجب بتخصيص نسبة من المبالغ الطائلة التي تم جنيها لخدمة الصالح العام أو لترميم حقوق الضحايا (أهل القرى والمدن التي تضررت من الاعتداءات الحاصلة) تمهيدا للتصالح معهم والعفو عنهم. بل هنا كما دائما، يتعامل المشرع اللبناني مع إرث الماضي (الحرب) الثقيل على نحو براغماتي يتجاوز الإعتبارات القيمية ليحولها إلى مسألة أموال وقروش وتتنهي فيها الدولة إلى التفاوض مع أصحاب المنتجعات بما يشكلون من لوبي هائل، بعيدا عن أي نقاش عام أو أفق مجتمعي يتفاعل فيه المواطنون حول دولتهم فتقوى بهم وتزداد قوة. وهنا أيضا، ضيّع المشرع اللبناني فرصة هامة لوضع سياسات نموذجية للتعامل مع الماضي ومن أبرزها سياسات العدالة الانتقالية، فبدا متخلفا عن المشرعين التونسي والمصري والمغربي في هذا المجال. وتبعا لذلك، سيفلت المعتدون على الملك العام من العقاب مقابل تسديد مبالغ جد زهيدة، والأخطر أنهم على الأرجح سيواصلون سياسة الإستقواء على الدولة لتحسين وضعيتهم من دون أي مساءلة عن الضرر الكبير الذي كبدوه للمجتمع وللناس المحيطين بهم والذي كاد يعري لبنان من بحره. وهذا ما عبر عنه رئيس نقابة المنتجعات البحرية غسان عبدالله ناصحا الدولة بتخفيض الغرامات وجعلها زهيدة (تماما كما حصل): “إذا أردت أن تطاع، فافعل المستطاع”، متناسين أن بإمكان الناس والقوى الاجتماعية كافة فيما لو دعيت أن تدعم وتؤازر الدولة لاستعادة الملك العام المنهوب (الأخبار 14 تشرين الأول 2014).
فبدا القانون من هذه الزاوية وكأنه إذعان للإستقواء والبلطجة من دون أي تحفظ، مما ينتهك حكما المادة السابعة من الدستور والمادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المكرسة في الفقرة ب من مقدمة الدستور التي تشكل جزءا لا يتجزأ منه.
عفو عام تمييزي
فضلا عن ذلك، يشكل العفو الحاصل عفوا تمييزيا وذلك من جهتين على الأقل:
أنه يمنح العفو للمخالفات الحاصلة قبل 1/1/1994، من دون أن يتكبد المشرع عناء شرح أسباب اختيار هذا التاريخ، علما أن الحرب كانت انتهت قبل ذلك التاريخ بأكثر من 3 سنوات وأن قانون العفو العام الصادر في 1991 كان منح العفو العام للجرائم المرتكبة قبل 28 ىذار 1991. وهذا التمييز غير مبرر.
أنه يميز بين الاعتداءات المتمادية وفق تاريخ بدء الإعتداء. فيعفو جزئيا عن الجرائم المرتكبة قبل سنة 1994 علما أنها تمادت في الوقت إلى ما بعد ذلك لتصبح وضعيتها مماثلة تماما للمخالفات الحاصلة بعد 1994.
3- أسباب البطلان المتصلة ب “معالجة” مخالفات الأملاك العامة البحرية قبل 1/1/1994 مستقبلا بموجب مراسيم تشرّع إشغالها:

يمنح القانون السلطة التنفيذية إمكانية “معالجة” المخالفات بموجب مراسيم، وتاليا السماح للمخالفين بإشغال أملاك عامة واسعة. وترشح شروط المعالجة عن أربع مخالفات دستورية:

المعايير المعتمدة للمعالجة تمييزية وغير مبررة:
أن المعايير المعتمدة للمعالجة مبنية بالدرجة الأولى على قدرة المخالف في تملك أو استئجار أو استثمار العقار المتاخم للملك العام المعتدى عليه، فيما ليس لمن لا يقدر على ذلك أي حق بمعالجة المخالفة أو إشغال الملك العام. هذا مع العلم أن هذا المعيار ينطبق حتى ولو كان العقار المتاخم للأملاك العامة البحرية المعتدى عليها ملكا خاصا للدولة أو لأحد أشخاص القطاع العام. ففي هذه الحالة، يسمح للمخالف بدء أعمال المعالجة في حال كسب عليه حقوقا عينية أو حقوق انتفاع خلال مهلة معينة. وهذا الأمر إنما يعني أن المعالجة تصبح وقفا على تمتع المخالف بقدرات مالية تسمح له بشراء العقار أو باستئجاره وربما بعلاقات جيدة مع الإدارة العامة المعنية فيما تكون المعالجة غير ممكنة في الحالات الأخرى. بالمقابل، تبقى نافلة مسائل هامة كطبيعة المشروع أو موقع المخالفة الخ…

أن القانون لم يضع مدة محددة أو يشترط وجود مدة محددة لمنح حق إشغال الأملاك العامة خلافا للمادة 89 من الدستور:
من البين أنه بخلاف أحكام المرسوم 4810 تاريخ 24 حزيران 1966 والتي تفرض ألا تتجاوز مدة مراسيم إشغال للأملاك العامة مدة السنة، يسمح القانون المطعون فيه للسلطة التنفيذية بإصدار مراسيم لمدة طويلة أو لمدة غير محدودة.
وهذا ما يتحصل من المادة 11 سادسا والتي تنص: “في جميع الحالات التي يتم فيها السماح بالإشغال المؤقت بالاستناد إلى عقد إيجار أو استثمار للعقار الخاص المتاخم للأملاك العامة البحرية، يسجل العقد لدى كاتب العدل والبلدية المعنية وعلى الصحيفة العينية للعقار، ويعتبر السماح بالإشغال منتهيا بانتهاء مدة العقد المذكور”. وهذا البند يولي السلطة التنفيذية إصدار مرسوم بإعطاء المخالف حق إشغال الملك العام طوال مدة عقد الإيجار أو الإستثمار الموقع منه دون وضع مدة قصوى. ولا يرد على ذلك بأن الزمن محدد بمدة الإجارة أو الاستثمار، إذ أن التحديد المطلوب هو التحديد الحاصل بموجب القانون وليس بموجب إرادة المتعاقدين من خارج السلطات العامة والتي ربما تصل إلى 99 سنة.
كما يتحصل من المادة 11 ثامنا: “في الحالات التي يتم معالجتها وفق أحكام هذه المادة ويتم إصدار مراسيم إشغال لها، تسدد الرسوم عن كل سنة خلال الشهر الأول من السنة وفقا لبدلات الإشغال المعمول بها وفقا للمادة، وذلك عن كامل المساحات المشغولة وفق نسب المضاعفة على الشطور بحسب الجدولب رقم (3) المرفق”. وهي صياغة تفترض إمكانية إصدار مراسيم إشغال من دون التقيد بتحديد مدة أقصاها سنة.
وما يبدد أي شك في هذا الخصوص هو ما نصت عليه المادة 11 البند رابع عشر والذي نص: “في الحالات المبينة أعلاه، ولأجل معالجة المخالفات الحاصلة قبل تاريخ 1/1/1994، لا تطبق أحكام المرسوم رقم 4810 تاريخ 24/6/1966 وتعديلاته التي تتعارض مع الأسس المعتمدة للمعالجة في هذه المادة”. وهذا الأمر يحرر صراحة الحكومة من أي مدة قصوى للترخيص بإشغال الأملاك العامة.
ومن النافل القول أن إتاحة مجال استغلال الأملاك العامة على هذا النحو من دون فرض حدود قصوى لمراسيم الإشغال يشكل مخالفة واضحة وبينة للمادة 89 من الدستور التي تنص على أنه “لا يجوز منح التزام أو أي امتياز لاستغلال مورد من موارد ثروة البلاد الطبيعية أو مصلحة ذات منفعة أو أي احتكار إلا بموجب قانون وإلى زمن محدد”.

أن الأحكام المتصلة بمعالجة مخالفات القانون تؤول عمليا إلى إعلان إنشاء “مساحات خارج القانون” zones de non droit بموجب قانون، على نحو يخل بمبدأ مساواة المواطنين أمام القانون:
من البين عند قراءة المادة 11 من القانون المطعون فيه أنه يسمح للسلطة التنفيذية إصدار مراسيم تسمح للمخالف بإشغال الأملاك العامة البحرية وبمواصلة استثمار المنشآت المبنية عليها خلافا للقانون وتسديد بدلات (رسوم) عنها من دون أن تضع على عاتقه أي واجب بهدمها بل أيضا من دون أن يكون عليها بحكم كونها سلطة عامة المبادرة إلى هدمها.
وبذلك، اعتمد القانون سابقة خطيرة مؤداها (1) فتح الباب لإنشاء مساحات خارج القانون أي مساحات يجوز فيها التمادي في مخالفة القانون بموجب مرسوم صادر عن السلطة العامة ومن دون التعرض لأي ملاحقة أو عقوبة، و(2) تحرير السلطات العامة بموجب قانون من واجبها بضمان تطبيق القوانين بشكل عام ومن دون استثناء وبحماية جميع المواطنين إزاء المخالفات الحاصلة على الأملاك العامة. فأن تكون السلطات العامة عاجزة عن ذلك بفعل ضعفها، هذا أمر حصل ويمكن فهمه في عدد من الدول، لكن أن يتم تحرير السلطات العامة من هذا الموجب، فهذا يعني التسليم بشريعة القوة والمس بأسس قيام الدولة والسلطة كمفهومين دستوريين.

وهذا ما نقرؤه بوضوح في المادتين 11 رابعا و11 عاشرا اللتين تنصان تباعا على الآتي:
المادة 11 رابعا فقرة ثانية: “يتم الإبقاء على الإنشاءات الدائمة على الأملاك العامة البحرية، التي تعتبر من الملحقات المكملة للإنشاءات المقامة على العقار الخاص مثل التجهيزات الرياضية والتنظيمية والترفيهية التي يتوجب إيجادها قريبة من الشلطئ شرط أن تكون مطابقة لأحكام قانون التنظيم المدني والأحكام المتعلقة بالأملاك العامة البحرية.
تهدم على نفقة ومسؤولية المخالف الإنشاءات الدائمة على الأملاك العامة البحرية التي تفوق المعايير المحددة أعلاه”.

المادة 11 عاشرا:
“تتوقف الملاحقات الجزائية الحاصلة قبل نفاذ هذا القانون، بحق شاغلي الأملاك العامة البحرية قبل 1/1/1994 وتشطب الإشارة عن العقار الخاص المتاخم موضوع المعالجة وتسقط الملاحقات الجزائية في حال استحصل الشاغلون على مرسوم بالسماح لهم بالإشغال وفقا لأحكام هذه المادة. وفي حال عدم استحصال هؤلاء على المرسوم المذكور، تتابع الملاحقات الجزائية وتضع الإدارة يدها على الأملاك العامة البحرية المشغولة ويتم إخلاؤها وفقا للفقرة سابعا من هذه المادة”.

وعليه، يظهر جليا أن القانون يسمح للجهات المخالفة في حال توفر شروط معينة الاستحصال على مراسيم بإشغال الأملاك العامة (وتاليا بتشريع وضعها) حتى ولو كانت مسؤولة مباشرة عن إقامة إنشاءات دائمة على الأملاك العامة البحرية، بما يخالف قانون الأملاك العمومية البحرية. كما أنه يُسقط في الوقت نفسه فور صدور مرسوم “المعالجة” أي ملاحقة جزائية في هذا الخصوص، بما يشكل حائلا أمام المواطنين والنيابات العامة والسلطات العامة دون تطبيق القانون في قمع مخالفات البناء على الأملاك العمومية البحرية. ومن البين أن هذا الأمر يتعارض مع القواعد ذات القوة الدستورية الآتية:
المادة 7 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المشار إليها في مقدمة الدستور: “هم يتساوون في حق التمتع بحماية القانون من دون تمييز”
المادة 7 من الدستور والمشار إليها أعلاه.
المادة 65/2 من الدستور: والتي تضع على عاتق السلطة التنفيذية تنفيذ القوانين.

أنها تنشئ نظامين قانونيين دائمين لإشغال الأملاك العامة البحرية وتمييزا لصالح المخالفين الذين “عالجوا” وضعهم بالنسبة إلى شاغلي الأملاك العامة وفق الأصول القانوني:
أوضحنا أعلاه أن نظام المعالجة المبين في هذا القانون يؤدي إلى نشوء نظامين قانونيين:
الأول، نظام يرعى إشغال الأملاك العامة وفق أحكام المرسوم رقم 4810 تاريخ 24/6/1966 وتعديلاته، وهو ينطبق على حالات الإشغال الحاصلة وفق قواعد القوانين سارية المفعول،
والثاني، نظام يرعى إشغال الأملاك العامة والتي كانت موضع اعتداءات وخضعت للمعالجة المنصوص عليها في القانون المطعون فيه.
والواضح أن مقارنة النظامين يظهر أن المشرّع انتهى إلى اعتماد تمييز قانوني لصالح الفئة الأخيرة على حساب الفئة الأولى:
فهو من جهة، حرر السلطة التنفيذية من وضع حد أقصى لإشغال الأملاك العامة أو على الأقل فتحها لمدة تتجاوز السنة كحد أقصى،
وهو من جهة ثانية، سمح للجهة المخالفة بمواصلة استثمار منشآت وأبنية بنتها على الأملاك العامة البحرية بخلافة القانون، وهو من جهة ثالثة، سمح للجهة المخالفة بالحصول على مرسوم لإشغال الأملاك العامة على أساس عقد إجارة أو استثمار بخلاف ما نص عليه المرسوم رقم 4810 تاريخ 24/6/1966 الذي فرض أن يكون المستفيد من مرسوم الإشغال بالضرورة مالكا للعقار المتاخم… وهو من جهة رابعة، سمح للمخالف بإشغال مساحات من الأملاك البحرية تتجاوز ضعفي مساحة العقار المتاخم المملوك أو المستأجر الخ.
ومن البين أن هذا التمييز يشكل إخلالا بمبدأ المساواة (المادة 7 من القانون) وتاليا مخالفة دستورية واضحة.

4- في الإخلال بمبدأ التناسب والضرورة ذات القيمة الدستورية:
في كون المعالجة الحاصلة مخلة بمبدأ التناسب والضرورة:
في محصلة كل ما تقدم، نتبين أن القانون (المادة 11) تؤدي حكما إلى تقييد حقوق أساسية وإلى ضرب مبدأ المساواة في استخدام الملك العام. فهل هنالك مصالح عامة بإمكانها أن توازن تقييد الحقوق والشذوذ عن مبدأ المساواة وصولا إلى تبريرها؟ وبكلمة أخرى، هل تتلاءم الإجراءات المتخذة في القانون المطعون فيه مع مبدأ التناسب والضرورة ذات القيمة الدستورية، بحيث لا يجوز الانتقاص من المساواة بين اي مواطن أو آخر أو المس بأي من حقوقه الأساسية من دون مراعاة هذين المبدئين؟ هذا مع العلم أن مبددأ التناسب يؤدي إلى اعتبار هذا المس مخالفا للدستور في حال كان هنالك آليات أخرى من شأنها أن تحقق مصلحة موازية أو مصلحة أكبر من دون المس بالحقوق الأساسية وبالمساواة، أو على الأقل بكلفة أقل في هذا الخصوص.
وبالنظر إلى المعطيات المشار إليها أعلاه، نتبين الآتي:
أن بدل المعالجة يبقى زهيدا وأن مجموع المبالغ التي يمكن تحصيلها من المعالجة لا تتجاوز وفق رأي بعض الخبراء جزءا صغيرا (ربما أقل من 50 مليار ل.ل كحد أقصى سنويا) لتمويل السلسلة، وأن الدول السياحية كاليونان واسبانيا وايطاليا وفرنسا الخ.. تستفيد من فتح شواطئها للعامة في سبيل رفع عائداتها السياحية التي ربما تصل إلى أضعاف هذا المبلغ،ـ
أن كلفة المعالجة خطيرة جدا طالما أنها ترهن مستقبل الأجيال القادمة من خلال تمكين السلطة التنفيذية إعطاء مراسيم إشغال من دون أي مدة قصوى. وكان الأمر يكون مختلفا لو أن المعالجة كان لها سقف زمني قريب، بحيث تعود من بعدها الأملاك العامة البحرية إلى الدولة مع إزالة جميع المنشآت المخالفة،
أن كلفة المعالجة خطيرة إذ أن بإمكانها أن تشمل القسم الأكبر من المخالفات وفق معيار تملك عقار متاخم، من دون أي معايير تتصل بحقوق الناس بالتمتع بالشاطئ أو موقع العقار أو الفائدة من الشمروع، بحيث يتحول إشغال الأملاك العمومية من استثناء إلى قاعدة، في ظل وجود أكثر من 1100 مخالفة تمتد على ملايين الأمتار المربعة على الشاطئ،
أن كلفة المعالجة باهظة على اعتبار أنها لا تعطي وضعية ممتازة للمعتدين على الشاطئ وأنها لا تولي الضحايا أي حقوق من أي نوع كان، على نحو يناقض الحد الأدنى للعدالة الانتقالية.
ولهذه الاعتبارات كافة، يقتضي أيضا إبطال القانون لتعارضه مع مبدأي التناسب والضرورة.

وعليه،
ولجميع الأسباب المبينة أعلاه،
وللأسباب التي قد ترونها عفوا،
جئنا نطلب منكم:
قبول هذه المذكرة عملا بحق المواطن بالدفاع عن حقوقه الدستورية،
إعلان المادة 11 غير دستورية باستثناء الفقرتين خامس عشر وسادس عشر منها واللتين تنناولان تباعا حق الأفراد بالولوج إلى الشاطئ ووجوب تأمين تواصل الشاطئ ضمن الأملاك العمومية البحرية.

المفكرة القانونية
عن نفسها وعن إئتلاف الشاطئ اللبناني

Categories:   وثائق

Comments

Sorry, comments are closed for this item.

%d مدونون معجبون بهذه: