مرصد الاستعراض الدوري الشامل

Menu

 

“حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان” امام المجتمع الدولي: هل تحوّل الاستعراض الشامل إلى مراجعة للذات؟ وسام الصليبي

تمّ تصميم “الإستعراض الدوري الشامل” كآلية مراجعة ذاتية تجريها كل دولة عضو في الأمم المتحدة مرة كل اربع سنوات للتحقق من وفائها بواجباتها والتزاماتها في مجال حقوق الإنسان. وقد اقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الاستعراض الدوري الشامل في آذار 2006 عندما انشأت “مجلس حقوق الإنسان” كبديل “للجنة حقوق الإنسان”. من هنا، لا تزال هذه الآلية التي وضعت قيد التنفيذ ابتداء من العام 2009 في مرحلتها التجريبية الأولى. ويستند الإستعراض الدوري الشامل الى ثلاث وثائق: (1) تقرير الدولة المعنية، (2) تقرير مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، (3) تقارير الجهات المعنية/ المنظمات غير الحكومية[1]. كما يتضمن هذا الإستعراض جلستين امام مجلس حقوق الإنسان: جلسة عرض و”حوار تفاعلي” دولي بين الدولة وأعضاء المجلس.وقد جرت هذه الجلسة الخاصة بلبنان في 10 تشرين الثاني 2010، وقدمت فيها الدولة التقرير الوطني الخاص للاستعراض الذي اعدته وزارة الخارجية والمغتربين وشاركت في صياغته الوزارات المعنية في قضايا حقوق الإنسان[2]. وشمل الوفد ممثّلين عن وزارات وقطاعات عدّة كانوا بمثابة “خبراء”، دون ان يرقى التمثيل الى مستوى رسمي عال.[3]اما الجلسة الثانية، فهي جلسة متابعة تحصل بعد اشهر عدة، يقَر خلالها التقرير النهائي لحقوق الإنسان للدولة المعنية، هذا التقرير الذي يشكل اجندة عمل لأربع او خمس سنوات، قبل حلول موعد الاستعراض الدوري الشامل التالي. وقد انعقدت هذه الجلسة الخاصة بلبنان بتاريخ 17 آذار 2011.
وقبل انعقاد جلسة لبنان بيوم واحد في تشرين الثاني 2010، تسنى لي حضور الجلسة المخصصة للجماهيرية الليبية. والأمر الذي لفتني كان سعي مجموعة الدول العربية إلى تحويل جلسة المراجعة إلى جلسة مجاملة. وهكذا، راقبنا مندهشين الكلمات التي تهافت ممثلو اكثر من عشر دول عربية على القائها، الواحد تلو الآخر، وقد اتفقت جميعها على مدح التقدم الذي حققته الدولة الليبية في مجال حقوق الإنسان وقد بدا ممثلو سائر الدول، وكأنهم منعوا من طرح القضايا الأساسية بسبب ضيق الوقت.
وفي الإطار عينه، عكس اداء لبنان امام مجلس حقوق الانسان في جنيف في شهري تشرين الثاني 2010 وآذار 2011 جمود الوضع السياسي وتضعضع المقاربة الرسميّة لحقوق الإنسان في هذا البلد.ففي جلسة تشرين الثاني 2010، تم تكوين البعثة من “تكنوقراطيين”، تناوبوا على الكلام كلٌ في مجال اختصاصه. وهكذا، استلم ممثل وزارة العمل دفة الكلام للإجابة على الأسئلة التي طرحتها الدول بخصوص عاملات المنازل الأجنبيات، ورد ممثل وزارة الداخلية على توصيات الدول المتعلقة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، من دون ان يكون لأي منهم بالحقيقة هامش حقيقي في اتخاذ قرارات. وهذا ما يتبدى واضحا عند مراجعة مواقف البعثة اللبنانية في هذا الشأن الأخير، والتي خرجت تماما عن السياق المنطقي فضلا عن انها جانبت الواقع في مواضع عدة.
فقد صرح الوفد في تقرير جلسة تشرين الثاني 2010، بأن لبنان “يكفل حق العمل للفلسطينيين المقيمين في البلد”، واستند في ذلك على القانون الصادر في 17-8-2010 بشأن حق العمل للاجئ الفلسطيني في لبنان، وهذا التصريح بعيد كل البعد عن الواقع طالما ان حق العمل ما يزال وقفا على الحصول على ترخيص مسبق بالعمل، وأنه يتعين تقديم طلب الترخيص بواسطة كفيل لبناني. وما اكد ذلك هو رأي مجلس شورى الدولة الصادر في آذار 2011 والذي اعلن فيه ان قرار الوزير في حكومة تصريف الأعمال حرب، الهادف إلى وضع اجراءات تطبيق القانون، هو في غير محله. كما لا يستطيع اللاجئ الفلسطيني في لبنان ان ينضم الى نقابات المهن الحرة، كنقابة الأطباء ونقابة الممرضين، التي يوجب القانون لمن يريد ممارسة هذه المهنة ان يكون عضوا في النقابة.
وخلال الحوار التفاعلي، سعى رئيس الوفد اللبناني في التهرب من المسؤولية في هذا الشأن عبر وضعها في اطار المسؤولية الدولية المتمثلة في وكالة الأونروا، والمطالبة بفهم موقف لبنان “على ضوء التكوين الديمغرافي الحساس للبنان ونص الدستور على عدم سماح لبنان بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في ارضه”. وبالتالي، انتقل الوفد من منطق حقوق الإنسان إلى منطق السياسة الدولية و”دور المجتمع الدولي”، كما دفع في مجلس حقوق الإنسان بمفهوم رفض التوطين، والذي يعجز، او يرفض، السياسيون اللبنانيون تعريفه على نحو ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
كما ان المواقف ازاء التوصيات الصادرة عن الدول[4] اتت بدورها مفعمة بالتناقض. وهذا ما نستقرؤه من المعطيات الاتية:

توصيات مقبولة: (80 – 32) تفعيل تعديلات قانون العمل والضمان الاجتماعي التي تمنح اللاجئين الفلسطينيين الحق في العمل، وذلك في اقرب وقت ممكن (النرويج)؛
توصيات مرفوضة: (82 – 35) سد الثّغرات الناجمة عن القانون المعدل المتعلق باللاجئين الفلسطينيين المسجلين، كالسماح للاّجئين الفلسطينيين بالحصول على تصاريح عمل مؤقتة (هولندا)، و(82 – 35) اعتماد القوانين الضرورية من اجل الإسهام في تخفيف وطأة الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية للاجئين الفلسطينيين (كندا)؛
توصية سيقدم فيها لبنان ردا في آذار 2011: (84 – 10) اتخاذ مزيد من التدابير لتحسين امكانيات العمل وظروف العمل للاجئين الفلسطينيين (فنلندا). وقد وافق لبنان على هذه التوصية في جلسة آذار 2011.

والسؤال المطروح هنا: ما هو منطق رفض التوصيات وقبولها؟ هل للبنان سياسة واضحة وصريحة بالنسبة الى حدود وأطر عمل اللاجئين الفلسطينيين؟ ما هي الخطوط الحمراء في هذا المجال؟

وفي موضوع حقوق المرأة في لبنان، قَبِل الوفد اللبناني العديد من التوصيات، بما فيها المتعلّقة بحماية النساء من العنف الأسري واعتماد مشروع القانون في هذا الموضوع.
لكنّ الوفد رفض توصيتَيْ إسبانيا والنرويج (82 – 3) المطالبتين بالنظر في سحب التحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.
وهنا السؤال: هل التحفظّات على إتفاقية السيداو CEDAWخط أحمر لـ”السياسة الشاملة على الصعيد الوطني” وللـ”الجهود الرامية إلى القضاء على التمييز ضد المرأة”؟
في آذار 2011، قبِل الوفد اللبناني بالتوصيتين بتحديد مصير المفقودين وإنشاء قاعدة بيانات للحمض النووي. إلاّ ان الدولة اللبنانية أضافت أنّها “سبق وشكّلت هيئة وطنية للتحقيق في مسألة المفقودين خلال الحروب التي عصفت بلبنان، لكن هذه الهيئة لم تستكمل أعمالها، على ان تتابع جهودها عندما تتيح الظروف السياسية الداخلية والخارجية بذلك. وانطلاقاً من التزام الدولة اللبنانية بقضية المفقودين وتحديد مصيرهم، ستنظر في أفضل السّبل الآيلة إلى تحقيق هذه الغاية.”

نشر هذا المقال في العدد الاول من المجلة الدورية للمفكرة القانونية. بامكانكم الاطلاع على المجلة كاملة هنا.

[1] للإطلاع على كافة التقارير الخاصة بلبنان: http://www.ohchr.org/EN/HRBodies/UPR/PAGES/LBSession9.aspx

[2] لبنان امام آلية الإستعراض الدوري الشامل: “نموذج للتعايش يحتاج الى تحسين”، 10 نوفمبر 2010 http://www.swissinfo.ch/ara/detail/content.html?cid=28757500

[3] مثال عن مداخلة: كلمة السيد ادريس الجزائري، الممثل الدائم للجزائر حول استعراض الجمهورية اللبنانية: http://www.mission-algerie.ch/index.php/fr/droits-de-lhomme/58-droits-de-lhomme/254—————-10–2010

[4] بلغ عدد التوصيات 125 ومنها، توصيات يعرب لبنان عن تأييده لها؛ وتوصيات تحظى بتأييد لبنان اذ يرى انها منفذة أصلا او في طور التنفيذ؛ وتوصيات لا تحظى بتأييد لبنان؛وثلاث توصيات مرفوضة، وهي توصيات اسرائيل، استنادا إلى عدة اسباب احداها “لأنها مقَدمة من السلطة التي تحتل ارضا لبنانية” و14 توصية، استمهل لبنان لإبداء رأيه عند انعقاد الدورة السادسة عشرة لمجلس حقوق الإنسان في آذار 2011، وقد قبلها جميعها خلالها.تقرير الفريق العامل المعني بالإستعراض الدوري الشامل الخاص بلبنان، 12 كانون الثاني 2011، http://www.upr-info.org/IMG/pdf/a_hrc_16_18_lebanon_a.pdf

Categories:   مقالات

Comments

Sorry, comments are closed for this item.

%d مدونون معجبون بهذه: