مرصد الاستعراض الدوري الشامل

Menu

لبنان VS إسرائيل في حقوق الإنسان

كأنها مباراة كرة قدم. يد المندوب الإسرائيلي لم تتوقف عن التلويح مطالباً بنقطة نظام ست مرات، ومدعوماً بنقطة نظام سابعة أميركية، وإنذار من رئيس الجلسة، لم يقدم أو يؤخر في سير مناقشة سجل لبنان في حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في جنيف. إسرائيل «الحريصة على علاقات سلمية وصديقة مع لبنان الديموقراطي» ثارت حنقاً لعدم حذف عبارة «الكيان الصهيوني» من التقرير النهائي

جنيف ــ بسام القنطار    

لم يكن من قبيل الصدفة أن يغيب السفير الإسرائيلي في جنيف، أهارون ليشنو يار، عن جلسة مناقشة سجل حقوق الإنسان في لبنان، تاركاً مهمة الاعتراض على أي نقد يوجّه للانتهاكات التي ارتكبتها بلاده على الأراضي اللبنانية للقنصل في البعثة الإسرائيلية في جنيف وليد أبو هيا. جلس أبو هيا في المقعد المخصص لإسرائيل، جارة إيطاليا، بحسب صيغة التسلسل الأبجدي المعتمد من الأمم المتحدة في تحديد المقاعد في القاعة. دوره كان الـ١٨ على لائحة تضمنت طلب ٦٦ دولة، استطاع ٤٩ منها تقديم توصيات واقتراحات للوفد اللبناني الذي جلس في المنصة الرئيسية برئاسة الأمين العام لوزارة الخارجية وليم حبيب، وعضوية رئيسة بعثة لبنان في الأمم المتحدة في جنيف نجلاء عساكر، ود. فاديا كيوان من اللجنة الوطنية للمرأة وعدد من القضاة والضباط والمندوبين عن وزارات الداخلية والعدل والدفاع والعمل والشؤون الاجتماعية. أما في المقعد المخصص للبنان ضمن القاعة، فجلست الدبلوماسية في البعثة اللبنانية في جنيف رنا المقدم. صافرة انطلاق السجال بدأت مع أبو هيا. الذي قال في مداخلته: «إن وفد بلادي يودّ أن يسجل في المحضر اعتراضنا الشديد على الصيغ غير المناسبة والمعادية في الفقرة الثانية من التقرير الوطني اللبناني. إن استخدام هذا النوع من اللغة في المداخلة الشفهية أمام المجلس كان سيخضع لنقطة نظام وكان سيسقط تلقائياً من المحضر الرسمي للمناقشات. ونحن نثمّن لرئيس الجلسة جهوده لحل هذه المسألة. لكننا نأسف لأن هذه الجهود أعيقت بسبب عدم التعاون الذي أبداه الوفد اللبناني». عهد تحسين وضع اللاجئين وتحفّظ على عقوبة الإعدام والأحوال الشخصية والجنسية وتنص الفقرة الثانية من مقدمة التقرير اللبناني على ما يلي: «إن إنشاء الكيان الصهيوني على الأرض الفلسطينية وتهجير إسرائيل الفلسطينيين قسراً من بيوتهم وأراضيهم وإنكار حق عودتهم إلى ديارهم التي هجّروا منها بقوة السلاح، كل ذلك أدى إلى نشوب الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي الذي أدخل منطقة الشرق الأوسط في سلسلة من الأزمات والمشاكل المتلاحقة». وكانت البعثة الإسرائيلية في جنيف قد طلبت عند افتتاح أعمال الدورة التاسعة للمراجعة الدورية الشاملة في مطلع الشهر الجاري، شطب عبارة «الكيان الصهيوني»، على أساس أن هذه اللغة غير مستخدمة في أدبيات الأمم المتحدة. لكن إصرار البعثة اللبنانية على إبقاء العبارة دفع سكريتاريا المجلس إلى التوصل لصيغة حل وسط، صباح أمس، قضت بوضع عبارة في ذيل التقرير الوطني اللبناني تشير إلى «أن الأمم المتحدة ليست مسؤولة عما ورد فيه من عبارات». دبلوماسي لبناني في جنيف أكد لـ«الأخبار» أن إبقاء هذه العبارة في التقرير هو تكريس لحق طبيعي للدول الأعضاء في الأمم المتحدة في أن يستخدموا في تقاريرهم الوطنية العبارات التي يرونها مناسبة، إذ لا يحق لأحد أن يتدخل في صوغ تقرير وطني لأن الأمر يمس بسيادة الدولة». المندوب الإسرائيلي لم يكتف بهذا الاعتراض وبدا واضحاً أنه سعى إلى فتح سجال، وطلب نقطة نظام فور ورود عبارة إسرائيل في أي من التقارير التي قدمت أثناء الجلسة. في الجزء الثاني من المداخلة الإسرائيلية قال أبو هيا إن «المجتمع اللبناني متعدد الثقافات وينبغي أن يكون ذلك ميزة ومصدراً لتقدم الحريات وحقوق الإنسان في هذا البلد. لكن وجود منظمة إرهابية وهي حزب الله…». ترفع رنا المقدم يدها وتطلب نقطة نظام. يتوقف أبو هيا عن الحديث، ليعطي رئيس الجلسة الكلام للبنان. «لو لم يكن هناك احتلال إسرائيلي لم يكن هناك مقاومة. ومقاومة الشعوب للاحتلال الأجنبي حق مشروع كرسته القوانين والأعراف والمواثيق الدولية». تختم المقدم مداخلتها على وقع تصفيق كثيف في القاعة. طلب رئيس الجلسة وقف التصفيق ودعا مندوب إسرائيل إلى استكمال مداخلته: «أكرر ما قلته، إن وجود منظمة إرهابية هي حزب الله، والصراع التوتر الدائر بين مختلف الأطراف، كل هذا قد نشأ عنه انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان في لبنان. القتل غير المشروع لأغراض سياسية والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والمقابر الجماعية، تقييد حرية التعبير والصحافة، والتمييز الممنهج ضد المرأة واللاجئين والمهاجرين، وفساد الحكومة هي من السمات الوجيهة والجديرة بالذكر هنا»، يقول أبو هيا قبل أن يوصي باسم حكومة بلاده بالتنفيذ الفوري لقراري مجلس الأمن رقم ١٥٥٩ و١٧٠١، وتقديم التقرير اللبناني إلى لجنة مناهضة التعذيب الذي تقاعس لبنان عن تقديمه منذ عام ٢٠٠١. ليختم: «نتطلع إلى اليوم الذي نرى فيه علاقات سلمية وصديقة بين إسرائيل ولبنان الديموقراطي». رئيس الوفد اللبناني وليم حبيب رد على المندوب الإسرائيلي متوجهاً إلى منوبي الدول بالقول: «عملية صياغة التقرير شأن ذاتي وسيادي للدولة ليس لأي جهة أن تصدر أحكاماً عليه لجهة اللغة والأسلوب. وإن الأوضاع غير المستقرة في لبنان تعود في جذورها إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة ولن يكون هناك حل إلا بمعالجة جذور الاحتلال الإسرائيلي». تضاء الإشارة الحمراء. المندوب الإسرائيلي يطلب نقطة نظام: «هذا الاجتماع مخصص لمناقشة حالة حقوق الإنسان في لبنان. أطلب أن تشطب الملاحظات المتعلقة ببلدي من المحضر». يكمل السفير حبيب مداخلته من دون أن يعير اهتماماً للملاحظة الإسرائيلية ويقول: «لقد مرت على بلادي حروب عديدة وجلّها اعتداءات إسرائيلية متكررة، منها اعتداء تموز ٢٠٠٦، الذي كان موضوع قرار مجلسكم الكريم ونتج منه تقرير عن لجنة التحقيق الخاصة. ولا يحق لدولة تنتهك القرارات الدولية أن تعطي دروساً في هذا المجال». تضاء الإشارة الحمراء مجدداً. أبو هيا يطلب نقطة نظام للمرة الثانية ويقول: «على ما يبدو فإن النظام الداخلي المعمول به في المجلس لا يلمّ به وفد لبنان، إن الملاحظات الخاصة ببلدي هي خارج نطاق الاجتماع». تدخل السفيرة نجلا عساكر على خط السجال: «نتقيد بآلية الاستعراض لكننا نطلب ألّا يستفزنا أحد وألّا يجري التعرض بطريقة لا تمت إلى الأمم المتحدة إلى أوضاع داخلية لبنانية». عبارة «الكيان الصهيوني» أثارت عاصفة من الاعتراضات الإسرائيلية جولة من التوصيات والردود وصولاً إلى مداخلة المندوب الدائم لسوريا في جنيف، السفير فيصل الحموي، الذي قال: «كما ورد في التقرير الوطني اللبناني، فقد أدى قيام إسرائيل وتهجير ملايين الفلسطينيين قسراً عن إراضيهم وإنكار حق عودتهم إلى ديارهم… إلى سلسلة من الأزمات التي كان من تداعياتها تعرض لبنان للاعتداءات المتكررة والمجازر المروعة التي ارتكبتها إسرائيل». تضاء الإشارة الحمراء للمرة الرابعة. المندوب الإسرائيلي مقاطعاً: «إننا بصدد دراسة حقوق الإنسان في لبنان لا في اسرائيل». يكمل حموي: «أدّت مجازر إسرائيل إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى فضلاً عن دمار هائل في البنية التحتية». الإشارة الحمراء لا تتوقف عن الإضاءة. نقطة نظام إسرائيلية خامسة: «إذا كان المندوب الدائم لسوريا حريصاً على ذكر الاحتلال فنحن مهتمون أيضاً بالاستماع إلى نتائج احتلال سوريا للبنان». يكمل حموي. المندوب الأميركي يطلب هو أيضاً نقطة نظام: «لقد أخذت المناقشات اتجاهات متناقضة نعترض عليها». مندوبة لبنان، رنا المقدم، ترفع يدها ونقطة نظام لبنانية ثالثة: «إن ما يجري تداوله مرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان ومتعلق بضحايا الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان». ينتهي السجال الإسرائيلي بعدما شعر أبو هيا بعبثية طلب نقطة نظام، للرد على مندوبي الكويت ونيكاراغوا وفنزويلا وكوبا، الذين أثاروا مسألة الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان في لبنان. إنها عبارة «الكيان الصهيوني» التي أثارت عاصفة من الاعتراضات الإسرائيلية وجدت سنداً أميركياً متوقعاً وصمتاً أوروبياً. لكن أوروبا التي صمتت في الدفاع عن إسرائيل قررت أن تركّز على مجموعة من التوصيات المتلعقة بالعديد من الملفات الساخنة على الساحة اللبنانية. مندوب كندا طالب لبنان بإلغاء نظام الكفالة الذي يؤدي إلى التمييز والإساءة بحق العاملات الأجنبيات. اما اليونان فطالبت بإلغاء جرائم الشرف من قانون العقوبات اللبناني وإنشاء مؤسسة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان. فيما طالبت المكسيك بتوجيه دعوة دائمة ومفتوحة إلى المقررين الخاصين والمصادقة على مشروع القانون الخاص بمكافحة العنف ضد المرأة والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص المعوقين. وأوصت البرازيل بتحسين وضع اللاجئين الفلسطينيين. وحذت أرمينيا حذو البرازيل منوهه باحتضان لبنان آلاف المواطنين الأرمن الذين هربوا من الإبادة الجماعية واندمجوا في الأسرة اللبنانية. وركزت بلجيكا وهولندا وفنلندا وإيرلندا وكندا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية على موضوع الحقوق المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين مطالبين بتحسين ظروفهم وإلغاء القيود المتعلقة بعملهم وتنقلهم. أما بريطانيا فسألت عن موعد تطبيق خطة حقوق الإنسان التي أقرها المجلس النيابي، وعن المصادقة على مشروع قانون إلغاء عقوبة الإعدام. وطالبت أكثر من ٢٠ دولة الحكومة اللبنانية بسنّ قانون يمكّن المرأة اللبنانية من منح أطفالها وزوجها الأجنبي الجنسية. أما النرويج، فأوصت بنزع الطابع الجنائي عن المثلية وضمان عدم التمييز على أساس الجنس. أما ألمانيا فركّزت على أنها تلقّت معلومات من جهات غير حكومية عن انتهاكات ترتكبها الاستخبارات العسكرية لاتفاقية مناهضة التعذيب، وطالبت بالتحقيق في هذا الشأن.

 

تعهدات وتحفّظات لبنانية

من المقرر أن يصادق على التقرير النهائي المتعلق بلبنان في جلسة تعقد غداً وتتبين فيها التوصيات التي قبلتها الحكومة اللبنانية وتلك التي رفضتها أو تجاهلتها. ويستدل من مداخلات الوفد اللبناني خلال المناقشة أن لبنان بصدد القبول بمجموعة من التوصيات أهمها: إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان وفق مبادئ باريس؛ الموافقة على الزيارة المقررة الخاصة المعنية بالأشكال المعاصرة للرق إلى لبنان؛ استعداد لبنان للتعاون مع الزيارات التي ينوي باقي المقررين القيام بها من دون أن يكون هناك تعهد بتوجيه دعوة مفتوحة ودائمة. تعهد لبنان بمعالجة ملف الإخفاء القسري لكونه من الجرائم التي لا تسقط بمرور الزمن، كما فصّلت المحاكم اللبنانية؛ التعهد بتحسين وضع اللاجئين الفلسطينين من دون تحديدات واضحة لجهة تعديل قانون التملك والعمل، مع الطلب من الدول زيادة مساهمتها لوكالة الأنروا لتحسين الظروف المعيشية في المخيمات. أما النقاط التي تحفّظ الوفد اللبناني عليها، فتشمل إلغاء عقوبة الإعدام لكونها عرضة لتباين في الآراء على المستوى الأهلي؛ رفض الانضمام إلى اتفاقية اللاجئين لعام ١٩٥١ لكون لبنان «ليس بلد لجوء مؤقت أو دائم» مع تعهد تعزيز مذكرة التفاهم مع مفوضية اللاجئين العليا لتنظيم عملية رعايتهم في لبنان. وتحدث الوفد اللبناني بصراحة عن رفض لبنان إزالة التحفظات التي يضعها على اتفاقية إلغاء التمييز ضد المرأة، ما يعني عدم الموافقة على الاقتراح المتعلق بحق المرأة اللبنانية منح الجنسية لأولادها من زوجها الأجنبي. وأشار عضو الوفد اللبناني فادي كرم إلى أنه حالياً تمنح إقامة مجاملة مجانية لكل من زوج المرأة اللبنانية المتأهلة من أجنبي وأولادها، وأن المجتمع اللبناني منقسم حيال شروط منح الجنسية بسبب التركيبة اللبنانية المؤلفة من ١٩ طائفة، لهذا يصعب في المرحلة الراهنة رفع التحفّظ على اتفاقية سيدوا. وكشفت القاضية مارلين الجر من وزارة العدل، أن لبنان ينوي متابعة توصيات اللجنة الفرعية لمناهضة التعذيب التي زارت لبنان، ويلتزم إنشاء هيئة وطنية تتعلق بالآلية المذكورة في الاتفاقية والبروتوكول الاختياري لمناهضة التعذيب. أما العقيد سامي خوري من وزارة الدفاع، فكشف عن نظام مراقبة وتسجيل في غالبية أمكنة التوقيف التابعة لوزارة الدفاع لضمان عدم حصول تعذيب فيها. وشدد الرائد زياد قائد بيه رئيس دائرة حقوق الإنسان في قوى الأمن الداخلي، على مدونة السلوك وتدريب العناصر مشيراً إلى أنه يترتب جزاء قانوني مناسب على من يخالفها، وشرح الجهد اللبناني في ما يتعلق بالاتفاقية الدولية لمكافحة جريمة الاتجار بالأشخاص. فيما أشارت العميدة جمانة دانيال من الأمن العام إلى منح ٢٠٠٠ بطاقة تعريف للاجئين الفلسطينيين فاقدي الأوراق الثبوتية بالرغم من حيازة بعضهم جوازات سفر من دول أخرى، وأنه تُجرى دراسة باقي الطلبات لـ١٥٠٠ اسم إضافي، أي ما مجمله ٣٥٠٠ اسم تسمح بحرية التنقل في لبنان. أما علي فياض من وزارة العمل، فعرض ملف العمالة الأجنبية معلناً تأييد لبنان لوضع اتفاقية حول العمالة المنزلية في إطار الاتفاقيات الدولية. وجددت د. فاديا كيوان تعهد لبنان المصادقة على اتفاقية حقوق المعوقين والعمل على دمج الأطفال ذوي الحاجات الخاصة في التعليم النظامي. وتعهد السفير حبيب أن تقوم وزارة الخارجية بدور تنسيقي في صدور التقارير المتعلقة بالاتفاقيات الدولية، وبرر تأخير صدورها بالظروف السياسية والأمنية غير المستقرة.

 

 

Categories:   تحقيقات

Comments

Sorry, comments are closed for this item.

%d مدونون معجبون بهذه: